|
كوارث الحج: طفح الكيل

|
باتت الاحداث المأساوية هي الطابع المميز لمواسم الحج السنوية. فتارة يموت مئات الحجاج دهسا تحت الاقدام، وتارة اخري حرقا داخل خيامهم، وثالثة خنقا في احد الانفاق، ورابعة تهشما بسبب انهيار جسر.وفي كل مرة يــــتم القاء المسؤولية علي كاهل الحجاج الابرياء، الـــذين قدمـــوا من مختلف اصــقاع الارض لاداء هذه الفريضة، بعد ان اقتصدوا من قوت عيشهم لتوفير النفقاتاما الحكومة السعودية فلا لوم عليها، فهي فوق كل مساءلة من اي احد.والاخطر من هذا ان هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية طالبت المسلمين بان يرضوا باقدارهم، لان هذا قضاء الله وقدره، أي ان علي الثلاثة ملايين حاج الذين ادوا الفريضة هذا العام ان يكتبوا وصاياهم وان يلبسوا الاكفان، وان يستعدوا للوفاة دهسا او حرقا او اختناقا!نحن نسلم بقضاء الله وقدره، وندرك ان كلنا سنصعد للقاء خالقنا، ولكننا كنا وما زلنا نتمني من هيئة كبار العلماء ان تكون الي جانب الضحايا واسرهم، وان تنتقد الحكومة السعودية الفاسدة، التي فشلت تماما في تأمين ارواح الحجاج وتوفير ابسط قواعد السلامة لهم، وهم الذين يدرون علي خزانتها مئات الملايين من الدولارات، ويوفرون فرص عمل وسيولة مالية لآلاف العمال والموظفين والتجار السعوديين.
حتي وزير الحج السعودي السيد اياد مدني الرجل المثقف الذي ينتمي الي اسرة اسلامية عريقة، جانبه التوفيق عندما صرح بان جميع الشواهد والبقايا التي جمعت كانت مما يحمله الحجاج الذين اختارهم الله الي جواره تدل علي ان معظمهم من المقيمين والمتسربين والمتخلفين بصورة غير نظامية.ما يريد قوله الوزير الفاضل ان هؤلاء غير سعوديين، وانهم اجانب من العرب المقيمين، وثالثا انهم من المتسربين اي من غير المقيمــين بصورة شــــرعية، ولذلك فلا ضير، وهذه هي حالتهم، ان يموتوا دهسا تحت الاقدام، ونسي معالي الوزير ان هؤلاء بشر ومسلمون، وجاءوا لاداء فريضة، والعقيدة الاسلامية تساوي بين جميع المسلمين بغض النظر عن لونهم وجنسهم وجنسيتهم، ووضعيتهم القانونية في البلاد.وبسبب هذا التهرب الواضح من تحمل المسؤولية، وتقديم المسؤولين الي المحاكمة، مثلما يحدث في الدول المتحضرة وغير المتحضرة، تتكرر كوارث الحج وتتفاقم كل عام، حتي بات خلو مواسم الحج من الحوادث والكوارث من المستحيلات، وكأن قدرنا كمسلمين ان نظهر بهذه الصورة السيئة امام العالم.ومن المؤلم ان وعاظ السلاطين يبررون هذه الحوادث بالتزاحهم وضخامة عدد الحجاج، وقدوم بعضهم من اماكن متخلفة، وهو تبرير مردود عليه، ليس لانه غير منطقي وانما ايضا لانه مخجل بكل المقاييس.
فلو كانت كارثة هذا الموسم سابقة ولم يكن لها مثيل لقبلنا بهذه التبريرات، ولكنها ليست كذلك، ويمكن التذكير بأن محطة قطارات واحدة مثل كنغز كروس او ووترلو في لندن يرتادها اكثر من ستة ملايين راكب يوميا ذهابا وايابا، وبعض هؤلاء من رعايا دول العالم الثالث، ولا تقع فيها مثل هذه الكوارث.
وكنا نتوقع ان تشكل الحكومة السعودية لجنة تحقيق مستقلة من ممثلي الدول الاسلامية لمعرفة الاسباب ومعاقبة المسؤولين، ولكنها لم تفعل، ولن تفعل، بل بادرت بتشكيل لجنة من مجموعة من الامراء السعوديين، ليس بينهم الا شخص واحد من خارج الاسرة الحاكمة هو وزير الحج.
الحكومة السعودية تتحمل المسؤولية القانونية، حسب القانون الدولي عن سلامة الحجاج، ناهيك عن المسؤوليات الدينية والاخلاقية، واذا كانت لا تستطيع تحمل مسؤولياتها هذه كاملة فأن عليها ان تترك هذه المسؤولية لهيئة اسلامية عالمية، تضم ممثلين عن جميع الدول الاسلامية، لان الكيل قد طفح، وهذه الكوارث يجب ان تتوقف.
فمن غير المنطقي ان تقدم هذه الحكومة مبادرات لاصلاح الجامعة العربية، وتسوية قضية الصراع العربي ـ الاسرائيلي، بينما هي عاجزة عن تنظيم موسم الحج، وتوفير الراحة لضيوف الرحمن، والسهر علي رعايتهم وحفظ امنهم وسلامتهم.الذين يموتون في موسم الحج بسبب الاهمال الرسمي، والفساد الحكومي، هم من مختلف اصقاع العالم الاسلامي، ولذلك نري لزاما علينا ان نطالب المسؤولين في جميع العواصم العربية والاسلامية بكسر حاجز الصمت، والبحث عن افضل السبل والوسائل لحفظ ارواح حجاجهم. فلم يعد مقبولا ان يموت هؤلاء المسلمون البسطاء الفقراء بينما ينعم وزراؤهم وصحافيوهم في خيم مكيفة وحج مرفه علي حساب الحكومة، ولا يتحدثون الا بمدح مضيفيهم، وتنظيمهم الجيد لموسم الحج.كما لم يعد مقبولا من رجال الدين وعلمائه في مختلف انحاء العالم الاسلامي الصمت علي هذه الكوارث، والاكتفاء فقط باصدار الفتاوي حول الحيض والنفاس و زواج فرندز وزواج المسيار.
عبد الباري عطوان
|
|
|