|
ليتهم يختارون الحياد!

|
هناك حكاية تروي عن الفقيه المشهور سعيد بن جبير الذي كان قتله آخر جرائم الحجاج بن يوسف (اذ لم يعمر بعده سوي اسبوعين): حيث يقال ان سجانه سأله ذات يوم مشفقا: هل تراني من اعوان الظلمة؟ فأجاب سعيد: كلا. ان اعوان الظلمة هم من يغسل ثيابك ويطبخ طعامك ويقوم بحاجاتك. فتساءل السجان مستغربا: ومن اكون انا اذن؟ فاجاب ابن جبير: انت من الظلمة انفسهم.
(لاحظ بالمناسبة ان انفصام الشخصية الذي يعاني منه اليوم بطانة الحكام الغاصبين من مثقفاتية واعلاميين وغيرهم كان قديما ومزمنا في هذه الامة. فالسجان كان يعلم كما يعلم امثاله اليوم انه يخدم حكومة ظالمة غير شرعية، ويعلم ايضا الجهة الشرعية التي يجد عندها الرأي الصائب ويتوسل منها الشرعية، أو العذر لجريمته ولكن هذا مبحث آخر).تذكرت هذه الرواية وانا لم اطالع هذا الاسبوع الانتقادات التي توجه بها الاخ رئيس التحرير وغيره لانظمة عربية كبري لدعواها انها محايدة في الصراع الاسرائيلي الفلسطيني. ونحن نقول اسوة بسعيد بن جبير رحمه الله ان المحايد في الصراع مع اسرائيل هو الحكومة اللبنانية وسورية حتي الان (حسب ما نعلم) وعراق صدام حسين نوعا ما، وليبيا بعض الشيء في الاعوام السالفة. اما الباقون فليسوا بمحايدين، بل هم في قلب الصراع، ولكن في الجانب الاخر. وتدخل في هذا السلطة الوطنية الفلسطينية التي لا تتهمها حتي اسرائيل بالخيانة والانحياز الآثم للمقاومة الفلسطينية وانما فقط لتقصيرها في القيام بواجب تجاه هذه المقاومة، وهو تقصير مبعثه الضعف والعجز اكثر من سوء النية .وكنت قد اطلعت قبل يومين علي صورة من احد مخيمات الشتات الفلسطيني وقد كتب احدهم فيها علي جدار: وعد بفلور 1917/11/2، اوسلو 1993/9/13 ونحن لا نعني بعدم الحياد من قبل الانظمة العربية التعهدات والالتزامات التي التزم بها المسؤولون العرب في وعد كامب ديفيد و وعد مدريد و وعد أوسلو و وعد العقبة و وعد شرم الشيخ واخيرا وعد جنيف ، فهذه كلها علي الاقل اتفاقات علنية اخذ اصحاحها تعهدات مقابلة، مهما قل حجمها. ولكن غالبية التعاملات العربية المباشرة مع اسرائيل (وغير المباشرة، فما اكثر الوسطاء وفاعلي الخير) تقدم التزامات اخري اهم شأنا تقبض مقابلها ثمنا عاجلا لا علاقة له بما يدعيه اصحاب الصفقات العلنية من تحقيق مكاسب مهما كانت ضئيلة للقضية الفلسطينية او حتي للقضايا وطنية.اللافت ايضا في هذه الصفقات السرية والعلنية هو طابعها الطفيلي لانها تعتمد اساسا علي استمرار الصراع وتركز علي التربح منه. وهذا يكذب مزاعم اصحابها من ان هدفهم هو السلام. فالدول العربية التي عقدت الصفقات السرية والعلنية مع اسرائيل تلقت دعما سخيا تمثل في المعلومات الاقتصادية والعسكرية والامنية، والدعم السياسي لانظمة الحكم، وذلك تحديدا مقابل تعهدها الانسحاب من المعركة ضد اسرائيل وتحولها الي دعم الدولة العبرية والدفاع عن امنها ضد من يتهدد هذا الامن. وكان من عقدوا هذه الصفقات يعلمون قبل غيرهم ان اهمية دورهم يعتمد علي استمرار الصراع. لذا نجد الدول السابقة تنزعج اشد الانزعاج حين تنضم دول وجماعات اخري الي صفقة السلام لان هذا يقلل من حجم الكعكة.وهكذا انزعج اصحاب كامب ديفيد من عقد صفقة اوسلو وبعدها وادي عربة، خاصة وان هذه الصفقات (مثل صفقة ليبيا الاخيرة) تمت من وراء ظهرهم دون علمهم. ولم يخف الاسرائيليون بدورهم حقيقة دوافعهم في عقد هذه الصفقات، لان اسرائيل كما نعلم دولة ديمقراطية فيها اعلام حر. وهكذا بررت حكومة مناحيم بيغن اليمينية صفقتها مع مصر قولا بالاحتجاج بأن تحويل اكبر دولة عربية من عدو الي حليف يعني عمليا كسب الصراع مع العرب، وعملا باجتياح لبنان وضم القدس والجولان لـ اختبار صلابة التحالف مع مصر والتدليل للمتشككين بأن مصر لم تعد مشكلة . اما رابين الذي عبر علنا عن بغضه لياسر عرفات بالتردد طويلا في مصافحته امام شبكات التلفزة فقد برر هذه الصفقة مع العدو بوجود اعداء اشد مراسا واكثر شراسة ممثلين في الانتفاضة وحركات حماس والجهاد.عرفات يعرف هذا اكثر من غيره، ولهذا فانه قد تخلي عن الاجتهاد في القضاء علي حماس وغيرها. خاصة بعد وصول شارون الذي يرفض مصافحته حتي الان الي الحكم. ذلك ان القضاء علي حماس سينهي دوره ويكون بمثابة ذبح الدجاجة التي تبيض ذهبا.خلاصة الامر هي ان الحكومات العربية ليست محايدة ولا من يحزنون بل هناك تسابق بينها للمشاركة في المعركة، ولكن ليس الي جانب الامة، بحيث ان غاية ما ترجوه الامة منها اليوم هو الحياد، ولا نعني هنا الحياد الذي تتهم به امريكا سورية وايران في حربها مع العراق، والمتمثل في غض الطرف عن تسرب المقاتلين الي ميدان القتال، فهذا من عظائم الامور التي تعرف انها فوق طاقتهم. فهل يتكرمون بحياد اضعف، مثل السماح للمتظاهرين بالخروج الي الشوارع لللطم والبكاء وندب الحظ، حتي لا تنفجر الشعوب غيظا؟
د. عبدالوهاب الافندي
|
|
|