|
عوامل داخلية وخارجية جعلت الحديث عن فضيحة شبكة تطوان يطغي علي الانتخابات

|
بينما كان الرأي العام المغربي ينتظر أسماء سياسية بمناسبة الانتخابات البلدية المقرر إجراؤها بعد اربعة ايام، تفاجأ ببروز أسماء بعيدة عن عالم السياسة وبحملة لا علاقة لها بالحملة الانتخابية وإنما بمطاردة مهربي المخدرات في شمال المغرب وخاصة مدينة تطوان، بعضهم بدأ يتخذ بعدا أسطوريا وخاصة منير الرماش الذي أصبح معروفا لدي المغاربة، العامة والخاصة.لم تمر سوي سنوات قليلة عن حملة 1996 التي قادها وزير الداخلية الأسبق إدريس البصري والتي ما زال الرأي العام المغربي يتذكر بعض أسمائها الرنانة مثل اليخلوفي والديب والدرقاوي والهياتي، حتي خلفتها أسماء أخري جديدة مثل منير الرماش وهشام حربول وبوزياني والوزاني. وهذا يثبت أن الأسماء ستتوالد وستظهر باستمرار وبدون انقطاع، وان محاربة للمخدرات لن تكون مجدية إذا لم يتم القضاء النهائي علي زراعة الكيف التي تسمح بها الدولة وترتفع سنويا هذه المساحات.
وتختلف حملة 1996 عن حملة 2003، الأولي ساهمت فيها العوامل الخارجية، والثانية سرّعتها عوامل داخلية وأخري خارجية ستظهر لاحقا. حملة إدريس البصري جاءت لحفظ ماء وجه المغرب أمام المجتمع الدولي بعد إصدار المرصد الجيوستراتيجي تقريرا (حول المخدرات في المغرب) يتهم مسؤولين كبار في الدولة المغربية بالتورط في تجارة المخدرات، ويعطي أسماء محددة ويتطرق الي المبالغ المالية التي يجنيها المغرب من وراء هذه التجارة غير الشرعية.
الحملة الحالية والتي لم يتبنها اي من المسؤولين الكبار المعنيين، مثل وزير العدل محمد بوزوبع ووزير الداخلية مصطفي الساهل ومدير الأمن الجنرال حميدو العنيكري، يبدو ـ ظاهريا ـ ان محركها الأساسي هو مواجهة مسلحة بين عصابتين بالسلاح الناري والسيوف وقعت ما بين المنتجعين السياحيين كابيلا والمضيق قرب الاقامة الصيفية للعاهل المغربي محمد السادس. ورغم ان زعيمي العصابتين هما هشام حربول ومراد بوزياني، فهي لم تحمل اسم أي أحد منهما بل أصبح الاسم الأكثر حضورا هو اسم منير الرماش، الفتي الذي استطاع خلال سنوات قليلة ان ينتقل من بيع السجائر بالتقسيط والجملة الي أحد الأباطرة المسيطرين علي تجارة المخدرات نحو الاتحاد الأوروبي رغم عدم تجاوزه سن الثلاثين.
والواقع ان هناك أربعة عوامل تقف وراء هذه الحملة الحالية لكل عامل نسبته في تسريع وتحريك هذا الملف.
الأول، مرتبط بارتفاع خطورة عصابات المخدرات ولجوئها الي استعمال السلاح الناري ونسجها علاقات مع المافيا الدولية. هنا تجد الدولة نفسها في موقف يتطلب الصرامة، اذ ليس مقبولا منها استعمال كل الوسائل لمحاربة السلفية الجهادية أو التطرف الديني عموما، وتغض الطرف عن عصابات المخدرات وما أصبحت تشكله من خطر.
العامل الثاني، تصرفات منير الرماش الذي بدأ يصف نفسه بـ الأمير ويحيط نفسه بالحرس الخاص ويقتني آخر موديلات السيارات والدراجات البحرية. وهي تصرفات بدأت تثير اهتمام الرأي العام المحلي ومعها بدأت الكثير من الأسئلة عن هيبة الدولة لأن الرماش بدأ يقلد نمط حياة افراد العائلة.
العامل الثالث، ارتفاع الفساد الاداري في القضايا المعتقلة بالمخدرات. فقد كشفت هذه الحملة ان ضباطا سامين بالأمن والشرطة والدرك والجمارك والجيش متورطون في تهريب المخدرات، وأكثر من نصف عدد قضاة محكمة الاستئناف في تطوان كانوا يمنحون البراءة للمهربين.
العامل الرابع، تفيد أخبار ان الاتحاد الأوروبي مقبل، بضغط من اسبانيا، علي توجيه إنذار جدي وشديد اللهجة الي المغرب بسبب ارتفاع صادرات المخدرات من اراضيه الي القارة الأوروبية عبر اسبانيا. فمنذ بداية السنة الجارية، صادرت دوريات الحرس المدني كميات ضخمة من الحشيش بشكل لم يسبق له نظير من قبل. ففي منتصف تموز/يوليو الماضي تم العثور علي متن شاحنة في ميناء الجزيرة الخضراء قادمة من طنجة علي قرابة 26 طنا من المخدرات.
الاتحاد الأوروبي لا يفهم كيف ان المغرب التزم سنة 1996، بعد صدور التقرير المذكور، بالتخفيض من المساحة المزروعة بالكيف، وكانت وقتها 75 ألف هكتار، وبدل تنفيذ الالتزام ارتفعت المساحة المزروعة الي الضعف تقريبا، حيث يجري الحديث عن 125 ألف هكتار. ولم تعد المساحات المزروعة تقتصر علي منطقة كتامة في الوسط بل انتقلت الي شفاف البحر الأبيض المتوسط مثل منطقة بني حسان والسطيحات المطلة علي تطوان. والاتحاد الأوروبي غير راض عن العلاقات مع المغرب بسبب فشل مفاوضات التبادل الزراعي والصيد البحري وملف الهجرة السرية واتفاقية التبادل الحر مع الولايات المتحدة، وبهذا قد يكون الرد قويا في ملف المخدرات، وقد لا تنفع معه الحملة الحالية في إقناع المفوضية الأوروبية طالما ان حقول القنب الهندي تتضاعف كل خمس سنوات ولا تقدم الرباط أي تفسيرات مقنعة لهذه الظاهرة.
تعددت التكهنات حول الحملة الحالية، بسبب الأخبار المتضاربة حولها وبعض المعطيات الكبيرة التي كشفتها مثل توفر المهربين علي زوارق سريعة تتجاوز تلك التي في حوزة الدرك الملكي واجهزة اتصال اكثر تطورا من تلك تمتلكها الأجهزة الأمنية.
بعض الصحف المغربية اطلقت علي الحملة الحالية حملة منير الرماش نظرا لبروز هذا الاسم دون باقي الأسماء. وذهبت الي ذلك أسبوعيات من الأيام و الصحيفة ، بينما فضلت اخري تسميتها فضيحة الدولة المغربية لأن عدد مسؤولي الدولة ومن أعلي المستويات المعتقلين في هذه القضية يفوق وبكثير عدد المهربين. فالمهرب يمكن اعتقاله، ولكن ما دامت حقول المخدرات موجودة فسيظهر مهربون آخرون أكثر ذكاء من منير الرماش أو هشام حربول أو الشعيري، لكن الذي لا يقبله المنطق ومصلحة الدولة هو ان يصبح موظفون سامون في خدمة مهربي المخدرات، وقتها يمكن توجيه جميع التهم الي هذه الدولة بأنها ترعي المخدرات، وهو الأمر الذي تستغله اسبانيا.
القدس العربي ـ من حسين مجدوبي
|
|
|