|
زيارة ولي العهد السعودي إلى روسيا..حسابات الاقتصاد والسياسة

|
سارعت واشنطن إلى التقليل من أهمية الزيارة الرسمية التي يقوم بها ولي
العهد السعودي الامير عبد الله بن عبد العزيز لروسيا، مبددة آمال الأوساط
الروسية في خلق تحالف روسي سعودي قوي.. نظرا للعلاقات المتينة التي تربط
الرياض مع واشنطن. أما بالنسبة للأزهر فقد أفتى برفض انضمام موسكو إلى
منظمة المؤتمر الإسلامي.بدأ ولي العهد السعودي الامير عبد الله بن عبد
العزيز يوم الثلاثاء زيارة رسمية تاريخية لروسيا تستمر ثلاثة أيام. وفي
مؤشر إلى الأهمية التي توليها الرياض لهذه الزيارة يرافق الامير عبدالله
وفد حكومي رفيع المستوى يضم خصوصا إلى جانب وزير الخارجية، وزير البترول
والثروة المعدنية علي النعيمي ووزير المالية والاقتصاد إبراهيم العساف.
الزيارة أشرت على تحول هام في العلاقة بين البلدين، وتكتسي هذه الزيارة
أهميتها باعتبارها الأولى من نوعها التي يقوم بها مسؤول سعودي بهذا
المستوى إلى روسيا، في سياق التطورات التي تشهدها المنطقة والوضع الإقليمي
والدولي. ولعل أهم هذه التغيرات هي تلك التي طرأت على العلاقة بين المملكة
العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية بعد أحداث ١١ شتنبر وتزايد
الضغوط على الرياض، والتطورات الحالية التي يعرفها عراق ما بعد صدام
حسين.. ورصد المراقبون أن معوقات تطور العلاقة بين الرياض وموسكو في
السابق، والتي ارتبطت أساسا بالأسباب الدينية والإيديولوجية وكذلك
الانتقادات الروسية للسعودية بسبب ما تعتبره موسكو تساهلا من جانب الرياض
في الدعم المادي الذي توفره منظمات خيرية مسلمة للانفصاليين الشيشان.. قد
عرفت بعض التراجع نجم بالأساس عن تفكك الاتحاد السوفياتي والتحول الذي وقع
داخل روسيا وتداعيات أحداث ١١ شتنبر وانهيار نظام الرئيس العراقي صدام
حسين.. وبرزت، مع تراجع معوقات العلاقة بين البلدين، رهانات لكل من الرياض
وموسكو تقوم على حرص الجانب السعودي على تجاوز سياسة الحذر التي ظلت
تنتهجها الرياض إزاء النظام الشيوعي القائم في الاتحاد السوفياتي سابقا
وفي روسيا فيما بعد، وعلى السعي لتجنب تداعيات التوتر الذي عرفته العلاقة
مع واشنطن واتهام أوساط سعودية بدعم منظمة القاعدة. من جهتها سعت الحكومة
الروسية، وهي التي اتخذت موقفا قريبا من موقف الدول العربية من الحرب على
العراق، إلى البحث عن حلفاء وازنين داخل المجال العربي، كالعربية
السعودية، خصوصا وأن موسكو تسعى حاليا إلى الانضمام إلي منظمة المؤتمر
الإسلامي ولو بصفة مراقب. واعتبر الامير عبد الله خلال لقائه الرئيس
الروسي فلاديمير بوتين أن \"هذا اليوم سيكون يوما تاريخيا في سجل العلاقات
بين روسيا والمملكة العربية السعودية\". ومن جهته أشار بوتين إلى وجود
\"مسائل كثيرة تربط\" بين روسيا والسعودية \"تتعلق بمصالح مشتركة\" بين
البلدين. وبالنسبة للأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي فالزيارة
التي يقوم به ولي العهد الأمير عبد الله إلى روسيا هي زيارة تاريخية
باعتبارها الأولى من نوعها التي يقوم بها قائد سعودي على هذا المستوى إلى
روسيا وتأتي بعد عام واحد من الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الروسي
للسعودية. فالزيارة، حسب الأمير، سوف تعطي دفعة قوية للعلاقات بين
البلدين، دون أن تشكل هذه الزيارة سعيا وراء إرساء توازنات دولية جديدة
»لأنه لا يمكن لزيارة روسيا أن تحدث تغييرا في خارطة التوازنات الدولية«.
واستطرد الأمير سعود، في تصريح أدلى به للصحافة في المغرب، »أن التوازن
العالمي حصل فيه خلل منذ تفكك الاتحاد السوفياتي ولكن روسيا تظل دولة مهمة
في العلاقات الدولية، وسيكون دورها في المستقبل مؤثرا في الساحة الدولية«.
وحذر وزير الخارجية السعودي من »إهمال الدول العربية لعلاقاتها مع روسيا
تلك العلاقات التي كانت دائما طيبة، حتى ولم يحصل التوازن المطلوب«. من
جانبه قال وزير الخارجية الروسي »إيغور إيفانوف« لدى استقبال نظيره
السعودي الأمير سعود الفيصل أن موسكو والرياض تريدان التعاون بشكل وثيق
لمكافحة التهديدات التي تواجهها الأسرة الدولية ولا سيما الإرهاب. وشدد
»إيفانوف«، في تصريح نقلته وكالة الصحافة الفرنسية، على أن \"المجتمع
الدولي يواجه تهديدات عالمية مثل الإرهاب وعلينا التعاون بشكل وثيق لحل
هذه المشاكل\" مشيرا إلى الدور الريادي الذي تضطلع به المملكة العربية
السعودية في العالم العربي ولاسيما في إطار حل أزمات مثل مشكلة الشرق
الأوسط والعراق. وحضر ولي العهد السعودي والرئيس الروسي مراسيم توقيع
اتفاقية حكومية من جانب وزير الطاقة الروسية »إيغور يوسفوف« ووزير البترول
السعودي »علي النعيمي«. وجاء في الاتفاق انه \"يهدف الى تطوير علاقات
الشراكة الثنائية في مجال النفط والغاز\". وسيسمح خصوصا \"بتسهيل إجراءات
تشكيل شركات مختلطة لتنفيذ مشاريع\" في مجال استثمار النفط والغاز عبر
تشكيل مجموعة عمل في هذا المجال خصوصا. وتجذر الإشارة إلي أن العربية
السعودية التي تمتلك ٢٥%من احتياطي النفط العالمي، تنتج حوالى ٢٦،٨ ملايين
برميل من النفط الخام يوميا في حين أن روسيا هي أكبر مصدر للنفط خارج
منظمة الدول المصدرة للنفط »أوبك«. وقال وزير الطاقة الروسية »يوسفوف«
للصحافيين إن \"عدة عقود ستوقع في إطار هذه الزيارة\" بين شركات روسية
وسعودية، وأن قطاع الصناعات النفطية الروسية مهتم خصوصا بجذب استثمارات
سعودية لتطوير منشآته. وتهدف موسكو من جانبها إلى المشاركة في سوق الغاز
في السعودية التي تحوي مخزونات هائلة لم يتم استثمارها بعد. وهو ما عبر
عنه »يوسفوف« برغبة بلاده في أن \"تحتل الشركات الروسية موقعا مشرفا\" في
هذا المجال. اما بالنسبة للسعوديين فيبقى الرهان في إقناع الروس بالتعاون
بشكل أوثق مع »أوبك« في سياستها لدعم أسعارالنفط الأمر الذي كانت موسكو
غير العضو في »أوبك«، تتحفظ عليه كثيرا. واعتبر السفير السعودي في روسيا
محمد بن حسن عبد الوالي ان الاتفاق الذي وقع يوم الثلاثاء وينص على تبادل
المعلومات حول وضع السوق سيسهل \"اقامة نظام لدعم اسعار النفط\". إلى ذلك
وقع الوفدان السعودي والروسي ثلاث مذكرات تعاون بين البلدين في مجال
العلوم والتجارة والرياضة. وهي مجالات تنضاف إلى مجالات للتعاون ناشئة بين
البلدين مثل مكافحة الارهاب الدولي، حيث شدد الكرملين الروسي في بيان له
على أن \"الكثير من الدول تعاني من الارهاب الدولي بما في ذلك روسيا
والسعودية\". غير أن التقارب السعودي الروسي لن يعني في أي حال من الأحوال
إعادة ترتيب العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية: فاتجاه الرياض إلى
تدعيم علاقتها مع موسكو لن يكون على حساب علاقتها مع واشنطن، فهي علاقة،
كما يشير إلي ذلك الكثير ممن تتبعوا الزيارة، تبقى أساسية وبخاصة أن الطرف
الآخر فيها هو القطب الأوحد في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. ولكن الواضح،
كما يقول عبد العزيز عثمان بن صقر في مقال له في »الشرق الأوشط«، أن هذه
العلاقة لن تعود إلى ما كانت عليه قبل أحداث شتنبر على الأقل خلال
المستويين القريب والمتوسط، وهو ما يتطلب تدعيم العلاقات مع قوى دولية
أخرى هامة..ثم إنه يجب التمييز في التحالفات التي تعقدها روسيا بين
الاستراتيجي والتكتيكي نظرا للعلاقة التي تربطها موسكو مع واشنطن حاليا.
واشنطن التي تراقب تفاصيل الزيارة قللت من أهميتها، حيث بدد مسؤول أمريكي
تحدث إلى »إيلاف« آمال أوساط روسية في نشوء تحالف سعودي -روسي جديد على
ضوء الزيارة التاريخية للأمير عبد الله بن عبد العزيز ولي العهد السعودي.
وقال المسؤول إنه على الرغم من حاجة البلدين
في هذه الظروف إلى بعضهما البعض إلا أن أكثر المتفائلين من الطرفين يعلمون
عمق علاقات واشنطن والرياض وحاجتهما إلى بعض، ويعلمون أن موسكو لا تملك
تعكير المزاج الأمريكي. أما الرسالة التي بعثت للبلدين فقد أتت من القاهرة
حينما أفتى شيخ الأزهر برفض انضمام موسكو إلى منظمة المؤتمر الإسلامي. إعداد.س.فجري
|
|
|